علي محمد علي دخيل

194

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

الْفَواحِشَ أي المعاصي والقبائح كلها ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ أي ظاهرها وباطنها وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ أعاد ذكر القتل وإن كان داخلا في الفواحش تفخيما لشأنه ، وتعظيما لأمره ذلِكُمْ خطاب لجميع الخلق ، أي ما ذكر في هذه الآية وَصَّاكُمْ بِهِ أي أمركم به لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي لكي تعقلوا ما أمركم اللّه تعالى به فتحللوا ما حلّله لكم ، وتحرّموا ما حرّمه عليكم ودل قوله سبحانه : أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً على أن التكليف قد يتعلق بأن لا يفعل كما يتعلق بالفعل . 152 - 153 - ثم ذكر سبحانه تمام ما يتلو عليهم فقال : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ والمراد بالقرب التصرف فيه ، وإنما خص مال اليتيم بالذكر لأنه لا يستطيع الدفاع عن نفسه ولا عن ماله ، فأكد سبحانه النهي عن التصرف في ماله وإن كان ذلك واجبا في مال كل أحد إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي بالخصلة أو الطريقة الحسنى حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ هو أن يبلغ ويكمل عقله ويؤنس منه الرشد فيسلم إليه ماله وَأَوْفُوا أي أتموا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ أي بالعدل ، والوفاء من غير بخس لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي إلا ما يسعها ولا يضيق عنه ؛ وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى معناه : إذا شهدتم أو حكمتم اعدلوا في الشهادة والحكم وإن كان المقول عليه أو المشهود له أو عليه قرابتك وهذا من الأوامر البليغة التي يدخل فيها مع قلة حروفها الأقارير والشهادات والوصايا والفتاوى والقضايا والأحكام والمذاهب ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا قيل في معنى عهد اللّه قولان ( أحدهما ) ان كل ما أوجبه اللّه تعالى على العباد فقد عهد إليهم بإيجابه عليهم ( والآخر ) ان المراد به النذور والعهود في غير معصية اللّه تعالى ذلِكُمْ أي ذلك الذي تقدم من ذكر مال اليتيم وأن لا يقرب إلّا بالحق ، وإيفاء الكيل واجتناب البخس والتطفيف ، وتحري الحق فيه على مقدار الطاقة ، والقول بالحق والصدق ، والوفاء بالعهد وَصَّاكُمْ اللّه سبحانه بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي لكي تتذكروه وتأخذوا به فلا تطرحوه ، ولا تغفلوا عنه فتتركوا العمل به ، والقيام بما يلزمكم منه وَأَنَّ هذا صِراطِي يريد أن ما ذكر في هذه الآيات من الواجب والمحرم صراطي ، لأن امتثال ذلك على ما أمر به يؤدي إلى الثواب والجنة ، فهو طريق إليها وإلى النعيم فيها مُسْتَقِيماً أي قيما لا عوج فيه ولا تناقض فَاتَّبِعُوهُ أي اقتدوا به ، واعملوا به ، واعتقدوا صحته ، وأحلوا حلاله ، وحرموا حرامه وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ أي طرق الكفر والبدع والشبهات فَتَفَرَّقَ وأصله فتتفرق بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ أي فتشتت وتميل وتخالف بكم عن دينه الذي ارتضى ، وبه أوصى ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي لكي تتقوا عقابه باجتناب معاصيه . قال ابن عباس : هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب ، وهنّ محرّمات على بني آدم كلهم ، وهنّ أم الكتاب ، من عمل بهن دخل الجنة ، ومن تركهن دخل النار . وقال كعب الأحبار : والذي نفس كعب بيده إن هذا لأول شيء في التوراة : بسم اللّه الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم ، الآيات . 154 - 155 - ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ إنه يتصل بقوله في قصة إبراهيم : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ، فعدّ سبحانه نعمته عليه بما جعل في ذريته من الأنبياء ، ثم عطف عليه بذكر ما أنعم عليه بما أتى موسى من الكتاب والنبوة وهو أيضا من ذريته تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ تماما على إحسان موسى ، فكأنه قال : ليكمل إحسانه الذي يستحق به كمال ثوابه في الآخرة وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ أي وبيانا لكل ما يحتاج إليه الخلق وَهُدىً أي ودلالة على الحق والدين يهتدى بها إلى